أحمد بن ابراهيم النقشبندي

27

شرح الحكم الغوثية

فبينما هم في ذلك مستغرقون ، وإذا برجل دخل عليهم شبه الملهوف أو مذهول فقدّ المألوف ، فقال لهم : يا رجال ما دخل عليكم هنا حمارا ؟ أو قال دابة ، وهو في يده قضيب كان يسوقها به ، فرفع بعضهم إليه رأسه ، وقال له : يا هذا إن هذا مسجد ، وما رأينا لك دابة ، فسكت الشيخ وأطرق ساعة ، ثم رفع إليهم رأسه ، وقال لهم : هل فيكم من عشق قط ؟ ولم يكن يتكلّم على العشق في تلك الساعة ، فسكتوا ولم يجبه أحد ، إذ لم يعلموا مقتضى مراد الشيخ بقوله ، ثم نظر بعضهم إلى بعض ، ثم رجع الشيخ لقوله الذي كان يتكلم فيه إلى أن استوفاه ، وختم المجلس وقام ، فرجعوا جملة أصحابه يتأمّلون قوله : هل فيكم من عشق قط ؟ فاتفقوا على أن معنى هذا السؤال : إن المحب يجب أن يطلب محبوبه في كل مكان ، وأينما توجّه ، كما فعل هذا البدوي طلب حماره حتى في المسجد . ويحكى عن أبي الفضل فيما ذكره في نجمه قال : رأيت هذا السيّد أبا مدين في المنام أيام قراءتي للموطأ على خاتمة العلماء الأعلام شيخنا أبي عبد اللّه بن العباس ، وذلك بمحل تدريسه ، قال : رأيت كأني دخلت لزيارة سيدي إبراهيم المصمودي ، فلما دخلت لمحل دفنه رأيت شيخا مهابا ، وهو جالس نحو قبر السلطان المدفون بإزاء سيدي إبراهيم ، فقيل لي ، أو قال : خطر ببالي أنه سيدي أبو مدين ، فتقدّمت ؛ لأقبّل يده ، فقال لي : سلام عليك ، فتذكرت أني لم أقل : سلام عليك حين دخلت لما غلبني من الدهش اللاحق للداخل ، ثم ناولني يده ، وهي في كمّ ثوب من صوف غليظ من لباس أهل مصر . فلما قبّلت يده دخلني بعض الأنس به ، فطلبت منه شيئا لا أدري دعاءا أو غيره ، وكان على يمينه سجادة من جلد بقر الوحش ، فأخذها بيده وناولنيها ، فأخذتها بيدي ، وانصرفت عنه ، وفي قلبي من السرور ما اللّه أعلم به . قلت : في تأويل الرؤيا هذه ولعله نبّهه على التواضع ؛ ولكن يكون في غير مذلّة ، وذلك وصف الصديقين ، لا عن حظّ كما يكون من أبناء الدنيا ، أو عوض أو غرض كما يكون من أبناء الآخرة ، وإنما يكون تواضعه باللّه للّه خالصا ، وذلك وصف العارفين .